في رحلة عبر جبال الدولوميت شمال إيطاليا، حيث تتجاوز القمم ثلاثة آلاف متر وتُدرج المنطقة ضمن التراث العالمي لليونسكو منذ عام 2009، تبهر الطبيعة بغاباتها الخضراء الكثيفة وبحيراتها وأنهارها. لكن وسط هذا الجمال، تظهر بقع داكنة واسعة من الأشجار الميتة، ظاهرة تدهور جماعي أصابت أشجار التنوب النرويجي (Picea abies)، الشجرة المخروطية المهيمنة التي زُرعت بكثافة شديدة لأغراض صناعية على مدى قرون.
أسباب الكارثة: عاصفة وجفاف وآفة محلية
بدأت الأزمة بشكل واضح بعد عاصفة «فايا» العاتية في أكتوبر 2018، التي بلغت سرعتها 200 كيلومتر في الساعة واقتلعت 15 مليون شجرة ودمرت 41 ألف هكتار من الغابات في دقائق. تلتها موجة جفاف قياسية أضعفت الأشجار الباقية، مما فتح الباب أمام غزو هائل لخنفساء لحاء التنوب (Ips typographus)، وهي حشرة محلية صغيرة طولها لا يتجاوز خمسة مليمترات كانت تعيش في توازن بيئي طبيعي.
مع ارتفاع درجات الحرارة وفترات الجفاف الطويلة الناتجة عن تغير المناخ، زادت دورات تكاثر الحشرة وانتشرت إلى ارتفاعات أعلى، مهاجمة حتى الأشجار السليمة. ساهمت الزراعة الأحادية (monoculture) التي ركزت على التنوب النرويجي على حساب الأنواع المحلية المتنوعة في زيادة هشاشة الغابات، فأصبحت أقل قدرة على الصمود أمام الضغوط البيئية.

ردود الفعل والإدارة الميدانية
تفاوتت الاستجابة بين المواقع: في بعض المناطق أُعيد زراعة التنوب النرويجي نفسه، وفي أخرى استُبدل بمزيج من الأنواع المحلية الأكثر مقاومة. وفي مناطق ثالثة تُركت الأشجار الميتة عمداً لتتحلل طبيعياً، فتوفر ملجأ للحيوانات ومادة عضوية للتربة. وفي حالات أخرى استُغلت الأخشاب الميتة في إنشاء ممرات ومنصات سياحية ومتنزهات مغامرات عائلية، مثل متنزه «مملكة العملاق بارانسي» قرب سان كانديدو، حيث تحولت الكارثة إلى فرصة سياحية مستدامة تمول صيانة الغابات.
الدروس المستفادة وأهميتها للسعودية
تُظهر تجربة الدولوميت هشاشة النظم البيئية الأحادية أمام تغير المناخ، حتى في مناطق تفوق المملكة العربية السعودية في هطول الأمطار بعشرة أضعاف. كما تؤكد أن الآفات المحلية يمكن أن تنفجر أعدادها تحت ضغط بيئي، كما يحدث مع حفار ساق الطلح وحشرات العرعر في المملكة.
من الدروس الرئيسية:
– تجنب الزراعة الأحادية في مشاريع التشجير الجديدة ومحاكاة التنوع الطبيعي.
– تشجيع التجدد الطبيعي عبر حماية المواقع من الرعي الجائر والحرائق والتدخلات البشرية غير المنظمة.
– دعم البحث العلمي والمسوحات الدورية لفهم ظاهرة غزو الحشرات ووضع حلول مبنية على بيانات.
في النهاية، تذكرنا غابات الدولوميت الميتة بأن التوازن البيئي يتطلب إدارة مستدامة تحترم الطبيعة، وأن الاستثمار في التنوع والمرونة هو السبيل الوحيد لمواجهة تحديات المناخ المستقبلية.





